يشهد مجال التوعية بالحفاظ على البيئة البحرية تحولًا ملحوظًا في دولة الإمارات والمنطقة، حيث تتجه المؤسسات إلى تجارب أكثر تفاعلية وتخصيصًا تسهم في تعزيز الوعي البيئي وتشجيع السلوكيات الداعمة للحفاظ على البيئة.
وفي صميم هذا التحول يبرز سؤال مهم: كيف يمكن تشجيع الأفراد على الاهتمام بما يحدث تحت سطح مياه الخليج العربي؟ وتكمن الإجابة في توظيف الذكاء الاصطناعي والتجارب التفاعلية وأساليب السرد الحديثة، إلى جانب الالتزام المجتمعي المنظم الذي أصبح اليوم أحد الركائز الأساسية للمسؤولية المجتمعية للشركات في أبوظبي.
من البيانات إلى القصة: لماذا تمثل هذه الفجوة تحديًا؟
تستند جهود الحفاظ على البيئة البحرية إلى حقائق علمية واضحة، تشمل ابيضاض الشعاب المرجانية وتحميض المحيطات وانتشار الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في مياه الخليج. إلا أن تعقيد هذه الظواهر وصعوبة ملاحظتها مباشرة يجعل إيصالها إلى الجمهور تحديًا مستمرًا.

وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي والتجارب التفاعلية في سد هذه الفجوة، من خلال تحويل المعلومات العلمية المعقدة إلى محتوى أكثر وضوحًا وقربًا من الجمهور، دون المساس بدقتها العلمية.
مركز ياس سي وورلد للبحوث والإنقاذ: نموذج لما يمكن تحقيقه
منذ افتتاحه في جزيرة ياس في سبتمبر 2023، رسخ مركز ياس سي وورلد للبحوث والإنقاذ مكانته باعتباره أول مركز متخصص للبحوث والإنقاذ البحري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويستند المركز إلى خبرات سي وورلد الممتدة لأكثر من 60 عامًا في مجال الحفاظ على البيئة البحرية، ويضم مرافق متقدمة للرعاية البيطرية والتشخيص، إلى جانب برامج بحثية تركز على الأنواع والنظم البيئية البحرية الأكثر تأثرًا بالتحديات في الخليج العربي.
كما تسهم شراكاته البحثية مع جامعة نيويورك أبوظبي في تعزيز فهم تأثير الظروف البيئية في الخليج العربي على الحياة البحرية، ودراسة العلاقة بين ارتفاع درجات الحرارة ومستويات الملوحة وظاهرة ابيضاض الشعاب المرجانية. واستقطبت سلسلة الحوارات العلمية التي ينظمها المركز أكثر من 1,400 مشارك منذ إطلاقها، وتناولت موضوعات متنوعة شملت الحفاظ على السلاحف البحرية والتنوع الحيوي للأسماك وتكيف الزواحف الصحراوية.
ولا يقتصر دور المركز على البحث العلمي، بل يمتد إلى تطوير أساليب جديدة للتوعية البيئية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز والتجارب الرقمية الغامرة، بما يسهم في تحويل المفاهيم العلمية المعقدة إلى محتوى تفاعلي يصل إلى العائلات والطلبة ومختلف فئات المجتمع.
قياس الأثر: المؤشرات التي توجه عملية التقييم
يتطلب فهم مدى تفاعل الجمهور مع قضايا الحفاظ على البيئة البحرية أكثر من الملاحظات العامة أو التقديرات. لذلك، تستند الاستراتيجية الرقمية لمركز ياس سي وورلد للبحوث والإنقاذ إلى مجموعة من مؤشرات الأداء الرئيسية التي تتم مراقبتها وتحليلها بشكل مستمر عبر منصة Sprinklr Insights للذكاء الاصطناعي.
وتشمل هذه المؤشرات حجم حضور المركز في النقاشات الرقمية، ومدى وصول المحتوى إلى الجمهور، ومستويات التفاعل معه، إلى جانب تحليل المشاعر والبيانات الديموغرافية وتتبع مصادر التغطية الإعلامية.
وتوفر هذه المؤشرات فهمًا أعمق لاتجاهات الجمهور واهتماماته، بما يدعم اتخاذ قرارات تستند إلى البيانات ويعزز فاعلية المحتوى والبرامج التوعوية.
أربع زوايا تحليلية: ماذا تكشف البيانات؟
يعتمد تحليل تفاعل الجمهور مع أنشطة المركز على أربع زوايا رئيسية، تعكس جوانب مختلفة من كيفية تلقي المعلومات المتعلقة بالحفاظ على البيئة البحرية والتفاعل معها.
وتستند النتائج والتحليلات الواردة في هذه المحاور إلى دراسة بحثية تناولت دور البيانات والذكاء الاصطناعي في سرد القصص المرتبطة بالبيئة البحرية والمناخ، وتعزيز فهم الجمهور للقضايا البيئية من خلال تجربة مركز ياس سي وورلد للبحوث والإنقاذ في جزيرة ياس بأبوظبي.
نظرة الجمهور إلى القضايا البحرية والمناخية
تُظهر البيانات أن أكثر الموضوعات حضورًا في النقاشات الرقمية تتمحور حول ابيضاض الشعاب المرجانية والتلوث البحري والصيد الجائر وفقدان الموائل الطبيعية. إلا أن معظم هذه النقاشات تركز على التأثيرات البيئية وتداعياتها أكثر من تركيزها على الجوانب العلمية المرتبطة بها.
ويشير تحليل المشاعر إلى أن 68% من التفاعلات مع المحتوى العلمي والتوعوي كانت إيجابية أو محايدة، فيما عكست 32% منها مشاعر القلق تجاه التغير المناخي وتدهور البيئة البحرية. كما أظهرت النتائج ارتفاع مستويات التفاعل عند تقديم المعلومات العلمية من خلال محتوى بصري، ما يؤكد تفضيل الجمهور للمحتوى الواضح وسهل الفهم، ويبرز فاعلية أدوات التصور البصري المدعومة بالذكاء الاصطناعي في إيصال الرسائل العلمية.
التفاعل العاطفي والسلوكي
تُظهر البيانات أن أبرز المشاعر المرتبطة بالمحتوى المتعلق بالحفاظ على البيئة البحرية تمثلت في التعاطف والاهتمام بنسبة 41%، تلتها مشاعر القلق بنسبة 29%، ثم الفضول بنسبة 17%، فيما شكلت الاستجابات المرتبطة بالدعوة إلى العمل والمشاركة 13%.
كما تبين أن المحتوى الأكثر تأثيرًا عاطفيًا يشمل قصص إنقاذ الكائنات البحرية، والمحتوى البصري الذي يوضح آثار التلوث، والقصص التي تبرز مشاركة الأطفال والشباب في جهود الحفاظ على البيئة. وحققت المنشورات التي تعتمد على السرد المتسلسل وصور “قبل وبعد” وعرض مراحل التغيير معدلات تفاعل أعلى بنسبة 54% مقارنة بأشكال المحتوى التقليدية، وهو ما انعكس مباشرة على استراتيجية المركز في التواصل مع الجمهور.
فاعلية السرد المدعوم بالذكاء الاصطناعي
تمثل هذه النتائج إحدى أوضح المؤشرات التي كشفتها البيانات. فقد سجل المحتوى المُنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الرسوم المعلوماتية والمحاكاة البصرية الرقمية وتجارب الواقع المعزز، معدلات مشاركة تفوق بثلاث مرات تلك التي تحققها المنشورات النصية التقليدية.
كما أظهر هذا النوع من المحتوى مستويات أعلى من التفاعل من خلال التعليقات والنقاشات، ما يشير إلى فهم أعمق للمحتوى. وسجلت الفئة العمرية بين 13 و18 عامًا أعلى معدلات التفاعل مقارنة بجميع الفئات الأخرى.
وشملت الموضوعات الأكثر جذبًا للجمهور محاكاة الذكاء الاصطناعي لظاهرة ابيضاض الشعاب المرجانية، والتصورات ثلاثية الأبعاد لتحميض المحيطات، والنماذج التي توضح حركة الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في مياه الخليج. وتسهم هذه التجارب في تحويل العمليات البحرية والمناخية المعقدة إلى مفاهيم أكثر وضوحًا وقربًا من الجمهور.
المصداقية والاعتبارات الأخلاقية
تكشف النقاشات العامة عن مستوى مرتفع من الثقة بالمحتوى العلمي المدعوم من المؤسسات، إلى جانب اهتمام واضح بمعرفة مصادر المعلومات والتحقق منها. كما يتفاعل الجمهور بصورة إيجابية مع المحتوى الذي يستعرض الجهود البحثية خلف الكواليس والمنشورات التي توضح مصادر البيانات وآليات التحقق منها.
وفي المقابل، تظهر آراء متباينة تجاه المحتوى البصري المُنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي، إذ يعبّر بعض المتابعين عن مخاوف من أن تؤدي الصور المُولدة رقميًا إلى المبالغة في عرض بعض القضايا أو تقديم صورة غير دقيقة عنها.
وتشير النتائج إلى أن أكثر العوامل إسهامًا في بناء الثقة تتمثل في الشراكات المؤسسية الواضحة، بما في ذلك التعاون مع جامعة نيويورك أبوظبي والجامعة الكندية دبي، إلى جانب الاستناد إلى مراجع علمية موثوقة وشرح المنهجيات المستخدمة ضمن المحتوى نفسه. وتؤكد هذه النتائج أن المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي يحظى بقبول واسع، شريطة الالتزام بالشفافية في تقديمه.
الذكاء الاصطناعي كأداة تعليمية وليس مجرد وسيلة للتواصل
يكمن الفرق الأساسي في طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي، فهو لا يُستخدم فقط لجعل المحتوى أكثر انتشارًا أو قابلية للمشاركة، بل لمساعدة الجمهور على رؤية وفهم جوانب يصعب إدراكها بالوسائل التقليدية.
ومن خلال “أثير”، منصة ميرال المتكاملة للإنتاج الإعلامي والمحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي، يستطيع المركز تطوير محتوى يستند مباشرة إلى بياناته وأبحاثه العلمية. وتجمع المنصة بين الإنتاج الإعلامي الاحترافي والأدوات الإبداعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والقدرات متعددة اللغات، بما يتيح إيصال القصص المرتبطة بالحفاظ على البيئة البحرية إلى شرائح متنوعة من الجمهور، مع الحفاظ على الأسس العلمية التي تمنحها المصداقية.
كما تشير البيانات إلى أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والتصور البصري والسرد القصصي يسهم في تعزيز الوعي والتفاعل وتشجيع السلوكيات الداعمة للحفاظ على البيئة بصورة أكبر من استخدام أي من هذه العناصر بشكل منفصل.
ويعتمد هذا النموذج على دورة متكاملة تبدأ بتحليل البيانات والرؤى، ثم تطوير المحتوى، يليها تفاعل الجمهور، وصولًا إلى استخلاص رؤى جديدة تسهم في تحسين المحتوى باستمرار، بما يعزز فاعلية الجهود التوعوية بمرور الوقت.
مشاركة المجتمع في صميم المسؤولية المجتمعية في أبوظبي
لا يمكن فصل التواصل العلمي عن المجتمع الذي يخاطبه. فبرامج التوعية الأكثر فاعلية لا تقتصر على نقل المعرفة، بل ترتبط بمنظومة أوسع من الشراكات والمبادرات المجتمعية، وهو النهج الذي تتبعه ميرال في مختلف برامجها ومبادراتها في أبوظبي.
ومن خلال شراكات مع جامعة نيويورك أبوظبي والجامعة الكندية دبي ، يحصل الطلبة على فرص للمشاركة في الأبحاث والأنشطة التطوعية وبرامج التدريب العملي التي يقدمها المركز. كما تتيح الشراكة مع “الدار للتعليم” تنفيذ برامج في مجالي الاستدامة والحفاظ على البيئة في 12 مدرسة بأبوظبي، إلى جانب توفير فرص تدريب ميداني للطلبة الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عامًا.
ومنذ إطلاق استراتيجية ميرال للمسؤولية المجتمعية في أواخر عام 2023، تم تنفيذ ما يقارب 239 مبادرة ضمن محاورها الاستراتيجية الأربعة، مع إشراك أكثر من 145,687 فرد من أفراد المجتمع في مختلف أنحاء الإمارة.
كما توفر “إمباكت من ميرال”، التي تم تطويرها بالشراكة مع هيئة المساهمات المجتمعية – معًا، إطارًا يضمن استدامة هذه الجهود وقابليتها للقياس. ويركز أول برامجها، “حماة الخليج العربي”، على الحفاظ على البيئة البحرية من خلال دعم الأبحاث وبرامج إعادة التأهيل وتنمية جيل جديد من القادة البيئيين.
وتعكس هذه المبادرات توجهًا أوسع نحو تبني نماذج أكثر تكاملًا وقابلية للقياس في مجال المسؤولية المجتمعية في أبوظبي.
نحو المرحلة المقبلة
يشهد نهج أبوظبي في مجال الأثر المجتمعي والاستدامة تطورًا متواصلًا نحو نماذج أكثر تكاملًا وقابلية للقياس وطموحًا. وفي الوقت نفسه، أصبحت الأدوات الداعمة لهذا التوجه، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والوسائط الغامرة وتحليلات الجمهور اللحظية، أكثر تطورًا، كما أصبحت الأدلة على فاعليتها في مجال التوعية بالحفاظ على البيئة أكثر وضوحًا.
وبالنسبة للجهات التي تسهم في رسم ملامح المرحلة المقبلة من التنمية المسؤولة في دولة الإمارات، تبدو الأولويات واضحة: الاستثمار في الشراكات والتقنيات والمنظومات التي تتيح إيصال العلوم والمعارف المرتبطة بالحفاظ على البيئة إلى المجتمع، وتمكين الأفراد من فهم التحديات البيئية والاستجابة لها بصورة أكثر فاعلية.