بناء أثر مجتمعي مستدام في أبوظبي عبر الشراكات ومبادرات المسؤولية المجتمعية

لم يعد النمو المستدام في أبوظبي يقتصر على البنية التحتية والاستثمارات فحسب، بل أصبح يشمل أيضًا المبادرات التي تُسهم في تعزيز جودة الحياة وبناء أثر مجتمعي طويل الأمد. وفي هذا الإطار، تندرج مبادرات المسؤولية المجتمعية التي تقودها ميرال ضمن هذا التوجه، من خلال شراكات وبرامج منظمة تُركّز على إحداث أثر حقيقي ومستدام في المجتمع. ويعني ذلك الإسهام في بناء مجتمعات تحظى بإمكانية الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والبيئات النظيفة، إلى جانب تعزيز الشعور بالانتماء. ويتم تحقيق ذلك عبر شراكات فعّالة تجمع بين الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمعات التي تخدمها.

نهج تعاوني لتحقيق أثر مستدام

تشترك أبرز البرامج المجتمعية المؤثرة في أبوظبي في عنصر أساسي يتمثل في التعاون. فمن التعليم إلى حماية البيئة، تتجه المؤسسات بشكل متزايد نحو بناء شراكات تجمع بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية.

ومن خلال هذا النهج، يتم تطوير مبادرات مجتمعية أكثر استدامة وارتباطًا باحتياجات المجتمع الفعلية، مع التركيز على تحقيق أثر واضح وقابل للقياس. كما يسهم هذا النموذج في ضمان استمرارية المبادرات، وتعزيز مشاركة المجتمع في تطويرها بما يتناسب مع احتياجاته.

social-impact-in-abu-dhabi

الحفاظ على البيئة والتعليم: ربط الطلاب بالتجارب الواقعية

تُعد برامج التوعية البيئية من أبرز مجالات الأثر المجتمعي في أبوظبي. ويُشكل مركز ياس سي وورلد للبحوث والإنقاذ أول مركز متخصص للبحوث والإنقاذ البحري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مستفيدًا من أكثر من 60 عامًا من الخبرة التي تتمتع بها سي وورلد في مجال الحفاظ على الحياة البحرية. كما أصبح نموذجًا واضحًا لكيفية تحويل مبادرات الاستدامة والمسؤولية المجتمعية في ميرال إلى تجارب ومشاركات واقعية ملموسة.

وتعكس الأرقام مدى تأثير هذه البرامج. فمنذ افتتاح المركز في سبتمبر 2023، استقطبت سلسلة الندوات العلمية الشهرية أكثر من 1400 مشارك من مختلف الفئات، وناقشت موضوعات متنوعة شملت الحفاظ على السلاحف البحرية والتنوع البيولوجي للأسماك في الخليج العربي. كما أظهرت الدراسات الخاصة بالتفاعل الرقمي للمركز أن المحتوى القائم على السرد القصصي يحقق معدلات تفاعل أعلى بنسبة 54% مقارنة بالمحتوى المعلوماتي التقليدي، في حين يتم تداول المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الرسوم التوضيحية والمحاكاة البصرية والمقاطع التفاعلية المعتمدة على تقنيات الواقع المعزز، بمعدل يفوق بثلاث مرات المنشورات النصية الثابتة. وأسهمت هذه النتائج في تطوير أساليب تواصل المركز مع الجمهور بشأن علوم الحفاظ على البيئة، حيث أظهرت الفئة العمرية بين 13 و18 عامًا أعلى مستويات التفاعل مقارنة ببقية الفئات.

ويمتد دعم الشباب في هذه المبادرات إلى مجالات تتجاوز العلوم والبيئة. فعلى سبيل المثال، يوفّر برنامج “نبرة من ميرال”، الذي أُطلق بالشراكة مع برنامج “موهبتي” التابع لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، منصة لاكتشاف وتنمية المواهب الغنائية لدى طلبة المدارس في مختلف أنحاء الإمارة، من مرحلة الاختبارات وصولًا إلى العروض الحية. كما يسهم البرنامج في تنمية المهارات الإبداعية وتعزيز ثقة المشاركين بأنفسهم، إلى جانب توطيد ارتباطهم بالمشهد الفني والثقافي المتنامي في أبوظبي. ويندرج البرنامج ضمن محور الفنون والثقافة في استراتيجية المسؤولية المجتمعية لميرال، ويعكس دور الشراكات في توفير فرص تسهم في تطوير مهارات الشباب وتنمية قدراتهم.

وتمنح هذه البرامج الشباب فرصة للتعرّف بشكل مباشر إلى علوم البحار ومجالات الحفاظ على البيئة والصناعات الإبداعية، بما يسهم في تطوير مهارات وخبرات تستمر آثارها على المدى الطويل.

الصحة المجتمعية والشمولية: الوصول إلى المجتمع عبر تجارب قريبة وملموسة

يكون الأثر المجتمعي أكثر فاعلية عندما يرتبط باحتياجات المجتمع الحقيقية. وفي مختلف أنحاء أبوظبي، تتجه المبادرات بشكل متزايد إلى الوصول إلى أفراد المجتمع من خلال الفعاليات والوجهات الثقافية والتجمعات العامة، بما يضمن حضورها بصورة أقرب وأكثر تأثيرًا في حياتهم اليومية.

وفي هذا الإطار، جمعت العروض السينمائية الخيرية الأيتام وكبار المواطنين وأصحاب الهمم ضمن تجارب ثقافية مشتركة، فيما أسهمت حملات التبرع بالدم، التي أُطلقت بالتعاون مع شركة أبوظبي للخدمات الصحية “صحة”، في جمع 94.5 لترًا من الدم لدعم مئات المرضى ضمن شبكة الرعاية الصحية في الإمارة. كما ساهمت الفعاليات الرياضية المجتمعية في تعزيز الوعي بالصحة العامة وجمع آلاف المشاركين، مع تزايد معدلات المشاركة عامًا بعد عام، وحرص مستمر على إشراك كبار المواطنين وأصحاب الهمم.

بناء منظومة مستدامة تتجاوز المبادرات الفردية

ورغم أهمية المبادرات الفردية في تحقيق أثر مباشر، فإن استدامة هذا الأثر تتطلب وجود منظومة متكاملة تقوم على أسس واضحة تشمل التمويل والحوكمة وآليات المتابعة والقياس.

وفي هذا الإطار، تتبنى مبادرات المسؤولية المجتمعية في ميرال نهجًا أكثر تنظيمًا من خلال منصة “ميرال للتأثير المستدام”، التي تم تطويرها بالشراكة مع هيئة المساهمات المجتمعية – معًا، بهدف دعم استثمارات مجتمعية مستدامة تقوم على أثر واضح ونتائج ملموسة.

ومنذ إطلاق المنصة في أواخر عام 2023، نفذت ميرال ما يقارب 175 مبادرة ضمن محاورها الاستراتيجية الثمانية، وشاركت أكثر من 3000 فرد من المجتمع في مختلف أنحاء أبوظبي. وتركّز هذه المبادرات على مجالات رئيسية تشمل: الحفاظ على البيئة، الفنون والثقافة، الصحة وجودة الحياة، والتعليم، بما يعكس توجهًا مستقبليًا نحو تطوير مبادرات مجتمعية تدعم أولويات التنمية المستدامة في الإمارة.

ويركّز أول برامج المنصة، والمخصص للحفاظ على البيئة البحرية، على دعم الأبحاث وبرامج إعادة التأهيل وتدريب الجيل القادم من القادة البيئيين، في خطوة تعكس توجه ميرال نحو مبادرات تُحدث أثرًا مستدامًا يمتد إلى ما هو أبعد من المبادرات المؤقتة أو الموسمية.

ماذا يعني ذلك لمستقبل أبوظبي؟

يشهد مفهوم الأثر المجتمعي في أبوظبي تطورًا واضحًا، فلم يعد يقتصر على المبادرات الخيرية الفردية، بل أصبح يعتمد على شراكات ومنظومات متكاملة تدعم التنمية المستدامة على المدى الطويل.

وفي هذا الإطار، تأتي المبادرات المجتمعية التي تقودها ميرال ضمن هذا التوجه، حيث تعمل المؤسسات بشكل متزايد على مواءمة جهودها مع أولويات ترتبط بالاستدامة والتعليم وجودة الحياة.

وبالنسبة للراغبين في الإسهام في هذا التوجه، تبدو الصورة واضحة: فالبرامج الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تقوم على التعاون، وتنطلق من احتياجات حقيقية، وتستند إلى منظومات تضمن استمراريتها.

ومع استمرار أبوظبي في مسيرتها التنموية، تجسد مبادرات ميرال المجتمعية كيف يمكن للمسؤولية المجتمعية أن تصبح عنصرًا فاعلًا ومستدامًا في مسيرة التنمية.

من الوجهات الترفيهية إلى المسؤولية البيئية: لماذا يشكل الحفاظ على التنوع البيولوجي البحري جوهر رؤيتنا المستقبلية؟